عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
179
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
فبرز إليّ رجل قد نزل به الشيب وقال : اعلم أن هذا عالم الغيب رجاله جزيلة العدد جميلة المدد قوية العدد طويلة الأمد ، ينبغي للواصل إليهم والداخل عليهم أن يتزيا بزيهم الفاخر ويتطيب بطيبهم العاطر . قلت : ومن أين أجد تلك الأثواب ؟ بل وأين تباع تلك الأطياب ؟ فقال : الثياب في سوق السمسمة الباقية ، والأطياب في أرض الخيال الراوية ، وإن شئت أن تعكس هذه العبارة فخذ الثياب من نسج الخيال ، والطيب من أرض السمسمة ، فإنها أخوان بلا ريب ، لهذا العالم المسمى بعالم الغيب ، فذهبت أولا إلى الأرض السمسمة ومعدن الجمال المسمى لبعض وجوهه بعالم الخيال ، فقصدت رجلا هناك عظيم الشان رفيع المكان عزيز السلطان يسمى روح الخيال ويكنى بروح الجنان فلما سلمت عليه وتمثلت بين يديه ، أجاب فحيا وبيا وثنى وترحب بي وهيا ، فقلت له : يا سيدي ما هذا العالم المعبر عنه بالسمسمة الباقية من آدم ؟ فقال : إنها اللطيفة التي لا تفنى على الدوام ؛ والمحل الذي لا تمر عليه الليالي والأيام ، خلقها اللّه من هذه الطينة ، وألقى هذه الحبة من جملة العجينة ، وجعلها حاكمة على الجميع وأمّا للكبر والوضيع ، قد ترجمنا عنها في الكتاب وفتحنا فيها هذا الباب ، يجوز فيها المحال ويشهد فيها بالحسّ صورة الخيال ؛ فقلت : وهل أجد سبيلا إلى هذا المحلّ العجيب والعالم الغريب ؟ فقال : نعم إذا كمل وهمك وتم ، فاتسعت لجواز المحال وتمكنت بمشاهدة الحسّ لمعاني الخيال ، وعلمت النكتة وقرأت سرّ النقطة ، حينئذ تنسج لك من تلك المعاني ثيابا ، وإذا لبستها فتح لك إلى السمسمة بابا ؛ فقلت له : يا سيدي إني على الأمر المشروط ، وقد وثقت بحبل العقد المربوط ، وعلمت بالكشف والوجود أن عالم الأرواح أظهر وأقوى من عالم الحسّ في الذوق والشهود ، فأشار بيده بعد همهمة ، فإذا أنا في أرض السمسمة . أرض من المسك النقيّ ترابها * ومن الجواهر ربعها وقبابها أشجارها متكلمات نطق * وكذاك أدؤرها نعم وعتابها في طعمها من كلّ شيء لذّة * حقا ومن ماء الحياة شرابها حاز الجمال فصار يشهد صورة * فيها وكم أروى العطاش شرابها هي نسخة من جنة المأوى لمن * يحظى بها في الأرض طاب مآبها هي سرّ قدرة قادر برزت لمن * يدري الأمور ولم يفته حسابها ليست بسحر إنما هي ماؤها * بل نارها وهواؤها وترابها